العيني
259
عمدة القاري
ليس هو كما قال ، بل هو صحيح في الرواية صحيح المعنى لأن قوله : ( غيره ) ، يتناول العمرة وغيرها ويكون تقدير الكلام : ثم حج أبو بكر ، رضي الله تعالى عنه ، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ، ثم لم يكن غيره أي : غير الحج ، ولم يفسخه إلى غيره لا عمرة ولا قران . قوله : ( ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام ) ، أي : مع والدي ، وهو الزبير . وقوله : ( الزبير ) بدل من أبي ، قاله النووي ، والأظهر أنه عطف بيان . قوله : ( فلما مسحوا الركن ) أي : الحجر الأسود ( حلوا ) أي : صاروا حلالاً . قال النووي : المراد بالماسحين من سوى عائشة ، وإلاَّ فعائشة ، رضي الله تعالى عنها ، لم تمسح الركن قبل الوقوف بعرفات في حجة الوداع ، بل كانت قارنة ، ومنعها الحيض من الطواف قبل يوم النحر . ثم جئنا إلى شرح حديث البخاري . فقوله : ( بدأ ) وقوله : ( قدم ) تنازعا في العمل . قوله : ( ثم لم تكن عمرة ) ، قال عياض : كان السائل لعروة إنما سأله عن فسخ الحج إلى العمرة على مذهب من رأى ذلك ، فأعلمه عروة أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لم يفعل ذلك بنفسه ، ولا من جاء بعده ، وفي إعراب : عمرة ، وجهان : الرفع على أن : كان ، تامة ويكون معناه : ثم لم تحصل عمرة ، والنصب على أن : كان ، ناقصة ويكون معناه : ثم لم تكن تلك الفعلة عمرة ، وقد ذكرنا أنه وقع في رواية مسلم : غيره ، بدل : عمرة ، وقد مضى الكلام فيه آنفا . قوله : ( مثله ) أي : مثل حج النبي ، صلى الله عليه وسلم . قوله : ( ثم حججت مع أبي الزبير ) أي : حجة مصاحبة مع أبي ، أي : مع والدي وهو الزبير بن العوام . وقوله : ( الزبير ) ، بدل من أبي أو عطف بيان ، وهكذا وقع في رواية مسلم ، وقد ذكرناها آنفا ، ووقع في رواية الكشميهني : ( ثم حججت مع ابن الزبير ) يعني : أخاه عبد الله بن الزبير ، قال عياض : وهو تصحيف ، وجه ذلك أنه وقع في طريق آخر في الحديث على ما يأتي : مع أبي الزبير بن العوام ، وفيه بعد ذكر أبي بكر وعمر ذكر عثمان ثم معاوية وعبد الله بن عمر ، رضي الله تعالى عنهم ، قال : ثم حججت مع أبي الزبير ، فذكره ، وقد عرف أن قتل الزبير كان قبل موت معاوية وابن عمر ، وكان قتل الزبير ابن العوام يوم الجمل في جمادي الأولى سنة ست وثلاثين ، وقبره بوادي السباع ناحية البصرة ، وكان موت معاوية بن أبي سفيان في رجب سنة تسع وخمسين ، وموت عبد الله بن عمر ، رضي الله تعالى عنهما كان سنة ثلاث وسبعين . وقال الواقدي : سنة أربع وسبعين ، وكانت وفاتخ بمكة المشرفة . قوله : ( وأخبرتني أمي ) ، وهي : أسماء بنت أبي بكر الصديق ، وأختها عائشة أم المؤمنين ، رضي الله تعالى عنهم . فإن قلت : لم تطف عائشة في تلك الحجة لأجل حيضها ، فما وجه ذكرها هنا ؟ قلت : يحمل على أنه أراد حجة أخرى غير حجة الوداع ، وقد حجت عائشة ، رضي الله تعالى عنها بعد النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا . قوله : ( فلما مسحوا الركن ) ، أي : الحجر الأسود ، ومسحه يكون في أول الطواف ، ولكن لا يحصل التحلل بمجرد المسح في أول الطواف ، فلا بد من التقدير ، وتقديره : فلما مسحوا الركن وأتموا طوافهم وسعيهم وحلقوا حلوا ، وحذفت هذه المقدرات للعلم بها لظهورها ، وقد أجمعوا على أنه لا يتحلل قبل تمام الطواف . تم مذهب الجمهور أنه لا بد أيضا من السعي بعده ثم الحلق أو التقصير ، وقال الكرماني : لا حاجة إلى التأويل ، إذ مسح الركن كناية عن الطواف ، سيما والمسح يكون أيضا في الأطواف السبعة ، فالمراد : لما فرغوا من الطواف حلوا ، وأما السعي والحلق فهما عند بعض العلماء ليسا بركنين . انتهى . قلت : لا بد من التأويل لأن الكلام على مذهب الجمهور ، كما ذكرناه ، وأراد بقوله : عند بعض العلماء ما ذهب إليه ابن عباس وابن راهويه من أن المعتمر يتحلل بعد الطواف ، فلا حاجة إلى السعي ، وقد ردوا عليهما ذلك ، وقال ابن التين قوله : ( فلما مسحوا حلوا ) يريد ركن المروة ، وأما ركن البيت فلا يحل بمسحه حتى يسعى بين الصفا والمروة ، وقال بعضهم ، وهو متعقب برواية أبي الأسود عن عبد الله مولى أسماء : ( عن أسماء قالت : اعتمرت أنا وعائشة والزبير ، وفلان وفلان ، فلما مسحنا البيت أحللنا ) وسيأتي هذا في أبواب العمرة . انتهى . قلت : يقدر هنا أيضا ما قدر في قوله : ( فلما مسحوا الركن حلوا ) فلا اعتراض حينئذ . ذكر ما يستفاد منه فيه : مطلوبية الوضوء للطواف ، واختلفوا هل هو واجب أو شرط ؟ فقال أبو حنيفة : ليس بشرط ، فلو طاف على غير وضوء صح طوافه ، فإن كان ذلك للقدوم فعليه صدقة ، وأن كان طواف الزيارة فعليه شاة ، وقال مالك والشافعي وأحمد : هو شرط . وفيه : أن أول شيء يفعله داخل الحرم الابتداء بالطواف للقدوم ، واستثنى الشافعي من هذا المرأة الجميلة والشريفة التي لا تبرز للرجال ، فيستحب لها تأخير الطواف ودخول المسجد إلى الليل ، لأنه أستر لها وأسلم من الفتنة . وقال